خطأ
  • XML Parsing Error at 9:19. Error 76: Mismatched tag

المؤشر الحقيقي للتنمية الإسلامية هي تنمية المعتقدات الدينية

الإثنين, 23 أيار 2011 10:54
نشرت في أخبار

في ما يلي هو مشروح حوار آية الله الهادوي الطهراني مع العدد الخاص بموضوع نموذج التطور الإسلامي الإيراني من مجلة همشهري حول الأسس المعرفية لنموذج التنمية الإسلامية و مؤشراتها الرئيسة و السلوك الديني و التنمية الاقتصادية العامة:

في البداية نودّ أن نطلع على رأي سماحتكم تجاه الأسس المعرفية لنموذج التنمية الإسلامية.

من أجل مطالعة مختلف المسائل في مجال العلوم الإنسانية يجب أن نتجهز بالنظرة المنهجية. يجب أن نقدر على ربط المفردات المحصلة في إطار مجموعة منسجمة و منضبطة. و إلا ستكون كالخرز المنفرطة، فقد تكون كل من هذه المفردات ذات معنى خاص و لكن بعد ضمّ الكل إلى البعض قد لا ينتج مجموعة ذات معنى واضحة يمكن استخدامها على صعيد التطبيق العملي. و لهذا ـ كما تعلمون ـ طرحنا نظرية الفكر المدون في الإسلام و قد طبقت في مختلف فروع العلوم الإنسانية منذ طرحها في عام 68 ش إلى الآن. و قد قمت شخصيا بتطبیقها في بعض المجالات و قام الآخرون في مجالات أخرى. و إحدى الإنجازات التي قمت بها أنا في مجال الاقتصاد الإسلامي هو كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام الذي طبع قبل عدة سنوات. من خلال نظرية الفكر المدون نحن نفترض أن في كل علم من العلوم الإنسانية لدينا فلسفة و مدرسة و نظام عام شامل و ليست مفرداته مرهونة بالظروف و الشرائط، و هي جارية في كل الأزمنة و الأمكنة و هي بمنهجها تمثل نظاما عاما…و یمثل عملیة تجل للنظام و في بعض الشروط تکون قضیة موقعیة تابعة لتلک الشروط، افترضوا لو أردنا أن ندرس موضوعا في إيران، فيجب أولا أن نحصل على الفلسفة أو المدرسة و النظام العام ثم نحدد المنهج الذي ينسجم مع ظروف إيران الخاصة.

مرادنا من الفلسفة هنا ليست الفلسفة بمعنى ما بعد الطبيعة، بل نقصد ما يشبه الفلسفة المضافة. هناك ثلاثة محاور تدرس في الفلسفة المضافة:

أحدها، الأسس و المباني، و الثاني المنهج و الأساليب و الثالث تاريخ و جذور النظريات. هنا نقصد من الفلسفة، الأسس و المباني فقط. إذا أردنا أن نتكلم في مجال التنمية الإسلامية، يجب أولا أن نقوم بتعريف فلسفة التنمية الإسلامية التي ترتكز أسسها على الإسلام في المجالات التي لها تأثير في حركة التنمية.

القضية الثانية هي المدرسة التي تتشكل من محورين في جميع أصعدة التنمية: 1ـ الأسس 2ـ أهداف الأسس، و نعبر عنها هنا بالأسس المدرسية. و هذه هي مسائل مسلمة يجب أن يتم تشخيصها في جميع مجالات الدين و هي تشكل البناء التحتي للنظام الخاص بذلك المجال المعين. و الأهداف كما هو واضح من الاسم تمثل مجموعة الأهداف. فلو كان حديثنا في الاقتصاد مثلا، المقصود هو أهداف الإسلام في الاقتصاد، و إن تحدثنا في الإدارة، المقصود هو أهداف الإسلام في الإدارة. و ما نقصده من النظام هو مجموعة من المؤسسات العامة و غير المحدودة بمجال محدد التي ترتبط فيما بينها بشكل خاص و هي تشكل بأجزائها مجموعة منسجمة. و تحدد الآلية بعد لحاظ الظروف الخاصة في تلك المجموعة الرباعية، فهي تمثل النظام العام في الظرف الخاص، يعني أن نحصل على نظام عام في مجال الاقتصاد أو التنمية.

و تعلمون أن الاقتصاد يمثل أحد أبعاد التنمية، إذ للتنمية أبعاد أخرى. و يمكن أن نحصل على نظام إسلامي في التنمية بنطاقها الواسع. إن ذلك النظام لا يخضع لمختلف الظروف و الزمان و المكان، و لكنا إذا أردنا أن نطبق هذا النظام في ظروف خاصة كظروف إيران أو الظروف الحالية فعند ذلك لابد من أن نرسم آليته أيضا.

النظام واحد، إذ لا يتغير بتغير الظروف. و لكن الآليات الإدارية متنوعة. و قد بينا في بحثنا بأنه قد تقترح لنظام واحد كإيران في ظروفها المعاصرة عدة آليات. و لكن إذا أردنا أن نقيم هذه الآليات المختلفة و نرى أيها مفيدة و أيها أكثر قيمة، هنا يجب أن نرى أي الآليات أسهل تطبيقا في تلك الظروف أو نرى أيها تنجز الأهداف بطريقة أفضل؟

و ذكرنا في تخطيط الآلية أنه يجب في موضوع فلسفة المدرسة و النظام أن يكون ذلك على يد متخصص عارف بالدين. يمكن استخراج الفلسفة بطريقة الأبحاث الفلسفية و الكلامية. و أما استخراج المدرسة و النظام فيكون من خلال المنهج الفقهي. طبعا يمكن استخراج المدرسة من خلال الأبحاث الفقهية المتعارفة و لكن استخراج النظام بحاجة إلى أبحاث نسميها بأصول استنباط النظام. و هذا ما يكون على يد العارف بالإسلام سواء أكان فقيها أو متكلما، طبعا أقصد الفقيه أو المتكلم الذي له معرفة بالمجال الخاص كالاقتصاد أو الإدارة أو التنمية.

و أما تخطيط الآلية فعمل مشترك بين المتخصص بذلك العلم و العالم الديني العارف بذلك العلم. يعني من أجل تخطيط الآلية الاقتصادية لابد من مشاركة المتخصص بالاقتصاد في مختلف فروعها من الاقتصاد الجزئي و الكلي و المالي و أبحاث السوق المالية و النقدية و الأبحاث المصرفية مع المتخصصين في الفقه بهذه النظرة المنهجية و الذين لهم معرفة بعلم الاقتصاد. يجب أن يتعاونوا مع البعض و يستنبطوا نظام المدرسة و الفلسفة الاقتصاديين و يخططوا معا الأساليب و الآليات الملائمة للظروف الخاصة.

في موضوع الأساليب، هناك یقع البحث؛ أي من أجل تحصيل الفلسفة و المدرسة و النظام و الآليات يجب أن نكشف العناصر الدينية أولا و إما أن يتم كشفها عبر الأسلوب المباشر أو الأسلوب غير المباشر. أحد الطرق في الأسلوب المباشر هو أن نراجع النصوص و الآخر أن نراجع العقل في المجال الممكن. و في الأسلوب غير المباشر نحاول أن نكتشف عناصر المسألة من خلال معرفة العلاقة الموجودة بين الرؤية الكونية و الفلسفة و المدرسة و الأقسام الأخرى. و بعد استنباط العناصر، يجب أن نميّز بين العناصر العامة الكلية و العناصر الخاصة المؤقتة. هذه الأبحاث أبحاث كلية، و هي أوسع من أن تطرح في جلسة أو جلستين و إنما أردت أن أطرح هذه الفكرة و هي أنه إذا أردنا أن نقوم بعمل منضبط في مجال التنمية، لابد لنا من العمل التنظيمي. في العمل التنظيمي يجب أن نرسم منطقا خاصا بهذا التنظيم و قد اقترحنا نموذجا باسم نظرية الفكر المدون و هو يعرّف هذه العناصر. يكون هذه العلاقة بين هذه العناصر و هذه هي الأساليب التي نقترحها في سبيل استنباط ذلك.

أما إذا أردنا أن ندخل في الموضوع الأصلي يعني موضوع التنمية بشكل خاص، طبعا لا أريد أن أذكر فلسفة التنمية و المدرسة و النظام، أريد أن أبدي رأيا قد يفتح الطريق أمام الإخوة الناشطين في هذا المجال. باعتقادي إن المؤشر الرئيس في التنمية هو عبارة عن تنمية المعتقدات الدينية؛ يعني نستطيع أن نضع مؤشرا في دائرة المسائل النظرية و هو تنمية المعتقدات الدينية. يعني إذا أردنا أن نقيم مجتمعنا بأنه هل تطوّر من حيث المفاهيم الإسلامية أم لا، يجب أن نفحص مدى المجتمعات الدينية في المجتمع. هذا هو الطريق. قصدي الآن هو التنمية بمعناها الواسع و ثم أؤكد على ذلك في موضوع التنمية الاقتصادية و لكن الآن أنظر للموضوع بشكل عام. إن تنمية المعتقدات الدينية في الجانب النظري تنعكس على مستوى العمل بصورة تنمية السلوك الديني. إن العقيدة أو الإيمان غير العلم. إن المعرفة غير الإيمان. كما أشار القرآن إلى أن العلم يختلف عن الإيمان. العلم بحاجة إلى بعض المقدمات التي من خلالها يصل الإنسان إلى نتيجة. و لكن الإيمان عمل اختياري. و إحدى مقدماته العلم. طبعا يؤكد الإسلام على أن يكون الإيمان على أساس العلم، و لكن ليس هذا يعني أن كل من علم شيئا فقد آمن به بالضرورة. و قد ضرب الإمام (ره) مثلا و قد ضربه العرفاء يقول: كل الناس يعلمون أن الميت لا يستطيع أن يتحرك أو يفعل شيئا، و لكن إن قلت لهم بت هذه الليلة مع هذا الميت يخاف و يخشى أن يقوم هذا الميت و يخنقه أو يقبضه. يقول الإمام (ره): إنه يعلم أن هذا ميت و لا يستطيع الميت أن يتحرك و لكنه لا يؤمن بذلك. فهو غير مؤمن و لهذا يخاف و هنا ينعكس الإيمان في عمل الإنسان. إن ما ورد في رواياتنا من أن أحد أقسام الإيمان هو العمل بالأركان بسبب أن الإيمان يظهر في العمل لا أن يكون ذات الإيمان هو العمل فهو في الواقع من قبيل التفسير باللازم. فالإمام في هذه الرواية يفسر الإيمان بشيء مرئي. نحن لا نستطيع أن نرى الإيمان، لا نستطيع أن نرى إيمان أحد الناس بالله أو عدم إيمانه. الاعتقاد غير مرئي. إن ما يمكن أن يرى هو النتائج. و تظهر نتائج هذا الاعتقاد في العمل. من خلال عمل الإنسان نستطيع أن نكشف مدى إيمانه بالله أو عدمه.

و بالنسبة إلى موضوع التنمية فإن قلنا بتنمية المعتقد الديني في الجانب النظري فقد جعلناه الملاك الرئيسي للتنمية و إلا في الجانب العملي نرى المعيار الأصلي للتنمية هو تنمية السلوك الديني.

ما هو مرادكم من السلوك الديني بالضبط؟

ليس المقصود هو أن نرى كم يصلي الناس و كم يصومون. ليس المقصود هذا فقط. إن هذا جزء من السلوك الديني. الصلاة و الصوم و الحج جزء من السلوك الديني و لكن ليس هذا كل السلوك الديني. بل أحد أخطائنا الكبار في تفسير المجتمع الديني هو أن نحدد السلوك الديني في مجموعة من الأعمال العبادية و هي ما يمكن أداؤها بشكل صوري و ظاهري جدا. أنت تستطيع أن تصلي كل عمرك من أجل أن تظهر نفسك أمام الناس بعنوان إنسان مصلي و تستطيع أن تصوم من أجل الحفاظ على صحتك و تقلل من وزنك و ليعلم الناس أنك من أهل الصوم. و تذهب إلى الحج ليعلم كل الناس و الخلائق بذلك. من شأن هذه الأعمال أن تكون أحسن طريق للتقرب إلى الله و لكنها في نفس الوقت يمكن أن تتحول إلى مجرد قشور تؤدى لمآرب أخرى. إذن هذه المظاهر و قشور العبادات لا تستطيع أن تكشف مدى و سعة العقيدة الدينية في المجتمع، إذ نفس هؤلاء الناس الذين يصلون و يصومون و يحجون الآن، فإنهم إذا عرفوا طريقا آخر لتحقيق مصالحهم قد يتركون الصلاة و الصوم و الحج، و يمارسون عملا آخر. و نفس هؤلاء الناس إذا أصبحوا في مجتمع لا يعبأ بالصلاة و الصوم و الحج، تتغير كل خصائصهم و مواصفاتهم، إذن قد لا يحكي هذا العمل عن خلفية و أساس. و لكن نحن الذين نريد أن ندرس التنمية يجب أن نعلم مدى تطور الإيمان الديني. و لكن لا نستطيع أن نرى الإيمان. لا نستطيع أن نحدد كميات معينة للإيمان. فيجب أن نرصد العمل الديني و نرى كم قد ازداد العمل الديني؟

في سبيل تعيين المقادير يجب أن نتجه إلى المصاديق الكاشفة عن تنمية المعتقدات الدينية و في المرحلة الأخرى ندرس تنمية العمل الديني. و لكنهم قد جعلوا معايير أخرى و أحيانا كانت مؤشراتنا متناقضة تماما لمؤشراتهم. كان الكلام لحد الآن تجريديا جدا. في سبيل أن يخرج عن الحالة التجريدية أضرب ثلاثة أمثلة. و سنكمل البحث بشكل تطبيقي جدا. أنا باشرت بالدراسة المصداقية و وضعت الأساليب الكلية إلى جانب. درست الموضوع من خلال الموارد و المصاديق و على أساس الاقتصاد الجزئي كما يعبرون. أنا أحلل ثلاثة أمثلة و بإمكانها أن تكون نموذجا للتحليلات الأخرى.

المثال الأول هو بحث التوكل. من المفاهيم التي استلهمناها من معتقدات الدينية هو التوكل علی الله. التوكل يمثل حالة إيمانية و مجاله في عقائد الإنسان. لابد للإنسان من أن يكون متوكلا علی الله؛ يعني أن يتعلق قلبه بالله؛ يعني أن يكون مؤمنا بأن الله سيقدر له ما بصلاحه و خيره و يعينه في أموره. و هو المراد من (إياك نعبد و إياك نستعين) و (لا حول و لا قوة إلا بالله) هذا هو مفهوم التوكل. طبعا هذه مجرد ألفاظ و لكن الإيمان بها يمثل مفهوم التوكل. ثم ينعكس هذا التوكل و يظهر جليا في مواطن كالحرب. فإن المتوكل في الحرب مثل علي بن أبي طالب (ع)، و ينزل إلى الميدان مثل الإمام الحسين (ع). هنا يتجسد التوكل. و لكن باعتبار أن موضوعنا الآن في مجال الاقتصاد، فلا دخل لنا بهذه الأمور و ندرس انعكاسه في مجال الاقتصاد.

كيف يتصرف الإنسان المتوكل في مجال الاقتصاد؟ من خصائص الإنسان المتوكل في مجال الاقتصاد هو أن ليس له ادّخار، يعني من المفترض أن ينخفض معدل الادخار المصرفي في المجتمع المتوكل، خلافا لبعض المعايير المذكورة في التنمية الغربية فقد جعلوا معدل الادخار المصرفي كمعيار. كما تعلمون في المسائل الاقتصادية لا يلجأ إلى المصارف إلا من يخاف المخاطرة. لأنه يخشى أن يضع أمواله في السوق و يخسر. فمن أجل أن لا يخاطر أبدا، يدع أمواله في المصرف ليحظى بربحها الثابت و المتعارف عالميا في الأنظمة المصرفية. و في نظامنا أيضا نعطيه ربحا بطريقة معينة. صحيح أننا نسميه ربحا معلقا و لكنه في الواقع ربح مضمون. أولئك الذين يتجهون نحو الادخار هم الذين يخشون المخاطرة. إذن في المجتمع المتوكل لا يخشى الناس من المخاطرة. و من المفترض أن يقل معدل الادخار المصرفي. طبعا في مقابل الخيارات الأخرى. و في المقابل يفترض أن يزداد معدل المخاطرة المصرفية. يعني من المفترض أن تزداد المخاطرات في المجتمع المتوكل. إذا أردتم الآن أن تعرفوا مدى و سعة المعتقدات الدينية في إيران، لا يكفي أن تحصوا عدد المصلين و الصائمين و الحاجّين فحسب فقد يقع اختلاف في أخذ الإحصاء. أنظروا إلى هذا المعدل.

فتشوا عن مستوى الادخار المصرفي و مستوى المخاطرة في الاقتصاد فهذا هو مؤشر في حد ذاته. لا تغفل عن النكتة التي أشرت إليها في بداية الكلام و هو أنه يجب أن ننظر إلى القضية بنظرة منهجية. الآن أتناول العناصر بشكل جزئي. إذ ما أذكره الآن عبارة عن مفاهيم. و إذا أخذ النظام طابعا تجريديا يصعب الحصول عليه. و من أجل أن يسهل هذا النظام طرحته بشكل جزئي. لأن السبب الذي جعل الناس يرغبون عن المخاطرة هو الأمن الاقتصادي و سأشير إليه لاحقا. إن ازدياد معدّل المخاطرة يؤدي إلى قلة عقود التأمين و هذا خلاف لما اتجه إليه السادة الذين يتكلمون دائما عن شركات التأمين و توسعتها. إن توسع التأمين في الغرب يعتبر معيارا للتنمية. و هذا طبيعي إذ أن المجتمع الغربي ليس متوكلا. الإنسان الغربي وحيد فريد محروم من حماية الله و حماية العائلة و المجتمع. إذ أن المجتمع الغربي قائم على أساس أصالة الفرد. و هذا الفرد التعيس يريد نفسه فقط و في هذه الغابة التي يفترسه الجميع فيها لينالوا منه شيئا بتعبير هابز، لا يريد إلا مصالح نفسه. و من المعلوم أن هذا الإنسان الذي يريد أن يحفظ مصالحه يحاول أن يقلل من المخاطرة مهما تمكن. إذ يريد الكل أن يصطادوه فلابد لهذا المجتمع أن يزداد فيه معدل التأمين. و أقصد معدل عقود التأمين لا معدل أسعار التأمين. و لكن إذا كان المجتمع متوكلا لكان المفروض أن نواجه قلة ظاهرة التأمين. لما شعر الإنسان بالخطر و الخوف بهذه الدرجة ليحتاج إلى التأمين.

من التداعيات الأخرى للتوكل هو ازدياد معدل المساعدات غير المعوضة. يعني الإنسان المتوكل من جانب لا يدخر كثيرا، و من جانب آخر يخاطر بماله لأنه متوكل. و أؤكد على جزئية الموضوع. إذ لا شك في أن الإنسان المتدين لا يخوض في عمل يفقد علمه و تخصصه به. بمعني أنه يفهم و یعلم بذلك العمل. على أي حال إن التدين يشمل هذه المسائل. يعني إذا لم يكن خبيرا يشاور الخبير و هذا أيضا من مصاديق التدين. الرجوع إلى الخبير و أصل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) لا يخص المسائل الدينية فحسب. الإنسان المتدين يمشي على أساس العقل في كل تصرفاته. و من خصائص العمل المطابق للعقل هو أنه عندما لم يكن لديه العلم في قضية، يراجع المتخصص و الخبير. إذن و مع لحاظ هذه النكتة، الإنسان المتوكل لا يدخر كثيرا. و على استعداد كبير من المخاطرة الاقتصادية. إذن لا يعتمد كثيرا على شركات التأمين و يقلل من العقد مع شركات التأمين. و من جانب آخر سوف تزداد مساعداته غير المعوضة. يعني هذا الإنسان سوف يساعد الناس بكل سهولة. الذي يمتنع عن المساعدة إنما يخشى أن يبتلي هو غدا. لأنه يخاف من الغد دائما، كالبقرة التي يذكرها المولوي. يقول كانت هذه البقرة ترتع كل صباح و كانت على ازدياد في التخمة و السمنة، و لكنها كانت تضعف في الليل من شدة خوفها من احتمال أن لا تحصل على العشب يوم غد. و كانت تصبح يوم الغد ضعيفة نحيفة و هكذا كانت تتكرر القصة. كانت تأكل من الصبح إلى الليل و تسمن و بعد ذلك تضعف من خشية يوم الغد… هذه في الواقع هي قصة الحياة الدنيوية. في الحياة الدنيوية مهما جمع الإنسان من أموال يبقى مضطربا خوفا من اليوم الذي يفلس فيه. و لهذا نجده قد جمع المليارات من التومانات أو المليارات من الدولارات و لكنه يأبى من مساعدة غيره بفلس و احد. إذ كل تفكيره هو أنه قد يفتقر غدا. و الدليل الآخر هو أنه يرى أن هذه الأموال عائدة لنفسه فقط فلا يرغب بمساعدة الغير و هذا ما ينبغي طرحه في بعد آخر.

المثال الثاني هو بحث الزهد، و يراه الكثير من الذين تأثروا بالمفاهيم الغربية أنه مفهوم معارض للتنمية. لأنهم يعتقدون أن مقتضى التنمية هو عدم الزهد. و لكن على أيّ حال الزهد مفهوم ديني و مدى زهد الإنسان يحكي عن مدى إيمانه بالدين. ما نقصده من الزهد هو عدم التعلق بالدنيا، لا ترويض النفس. لأن الترويض يختلف عن الزهد. الزهد هو أن لا يتعلق الإنسان بالدنيا. إن لم يتعلق بالدنيا فهو زاهد. و كما ذكرت سابقا، لم تكن هذه الحالة مرئية لنرى أن هذا الإنسان هل هو متعلق بالدنيا أم لا. الكلام سهل و لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تداعيات الزهد على صعيد العمل الاقتصادي، هناك خصيصتان تتوفر لدى من ليس له تعلق بالدنيا: يحظى بجهد كبير في العمل الاقتصادي، يعني من حيث العمل الاقتصادي إنسان نشيط جدا. هذه من علامات الإنسان الزاهد بخلاف ما يتصور عامة الناس. من جانب له نشاط اقتصادي على المستوى الأعلى و من جانب آخر يرضى بالحد الأدنى من النفع الشخصي. يعني هكذا يتجلى الزهد في العمل الاقتصادي، الإنسان الزاهد فعال جدا على مستوى العمل الاقتصادي و يقنع بالقليل من النفع الشخصي. النموذج البارز و الزهد المتجسد هو أمير المؤمنين (ع). لاحظوا، أن أمير المؤمنين (ع) قام بأفضل عمل اقتصادي قيمة و ثمنا في زمانه. حيث تعلمون أنه كان أثمن شيء في الجزيرة العربية هو الماء. و كان الجفاف هو المشكلة الأساسية في الحجاز. و كان الحصول على مصادر الماء يعتبر أكبر رأس المال. إذ لولا الماء لما كانت زراعة و لا تربية المواشي و لا إنتاج. و كان الاقتصاد قائم على أساس الزراعة. فكان لعلي بن أبي طالب (ع) الدور الأكبر في العمل الاقتصادي كما و كيفا. كان أمير المؤمنين يستخرج الماء. كان عمله هو أن يحفر الآبار فكان عملا شاقا من حيث العمل و من ناحية أخرى كان يحصل على شيء ثمين جدا و خاصة في الظروف الاقتصادية التي كانت تحكم ذلك الزمان. و لكن كان انتفاعه الشخصي في الحد الأدنى. فكان يوقف المياه التي يستخرجها لعامة الناس.

هذا هو الزهد الحقيقي. الزهد هو أن يعمل الإنسان و لكن يأخذ الحد الأدنى لنفسه بعدم تعلقه بالدنيا. و هذه البساطة في العيش تخفض من النزعة الاستهلاكية. و هذا مؤشر. في المجتمع الذي توسعت فيه مفاهيم التنمية الإسلامية يجب أن تقل النزعة الاستهلاكية، خلافا لما يجري في الغرب بالضبط. أحد مؤشرات التنمية في الغرب هو معدل الاستهلاك؛ الاستهلاك في كل شيء، و لهذا أحد الأساليب التي يستخدمونها في سبيل التنمية و ازدياد الاستهلاك هو الدعايات المستمرة التي تبعث ولع الاستهلاك لدى المخاطب، من قبيل ما يمارسونه في إيجاد الموضات.

كان أمير المؤمنين (ع) يقول: وَ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا. أين ذلك مما نشاهده اليوم؟ يقول البعض أن في ذلك الزمان كانت الأوضاع الاقتصادية متردية و كان الفقر عاما. و لكن لم يكن الأمر كذلك، كان كذلك في مقطع من حياة علي بن أبي طالب (ع) و فاطمة الزهراء (ص) و لكن ليس في جميع المقاطع بل قد توفرت الإمكانات الاقتصادية في فترة من الزمن و لكن لم تتغير حياته عندما أصبح علي (ع) خليفة على عالم الإسلام. و أي خليفة؟ الخليفة الذي كانت إحدى محافظاته مصر، و لا مصر هذا اليوم، بل كانت السودان و كثير من الدول المجاورة ضمن مصر. لم تكن مصر بصغرها الفعلي. و على أي حال كانت إحدى المحافظات التابعة للخلافة الإسلامية مصر و إحدى محافظاته الأخرى إيران. و إيران التي كانت تشمل الدول الشمالية مثل قفقاز و تاجيكستان و بعض أراضي أفغانستان. هذا الإنسان الذي كان يحكم بلادا بهذه الوسعة كانت هذه حياته. و لم يكن ذلك لفقره، كانت حياته بسيطة، لماذا؟ لأنه كان يحظى بالزهد و الإيمان. كل هذا ظهور عملي للإيمان. و بالتالي أحدى مواصفات الإنسان الزاهد هو أن يزداد في إعطاء المساعدات غير المعوضة. يعني يأتي نفس الكلام الذي ذكرناه في موضوع التوكل. الإنسان الزاهد يستهلك قليلا، و لكنه يساعد الآخرين كثيرا من خلال المساعدات غير المعوضة. هذا هو المثال الثاني.

و أما المثال الثالث فهو الإيمان بالآخرة. الإيمان بوجود يوم الجزاء و أنه ستحاسب أعمالنا في ذلك اليوم. إذا كانت أعمالنا جيدة و شاهدنا آثارها الحسنة سنشاهد آثارها هناك أيضا. و لكن إن كنا غير صالحين و لم نشاهد نتيجة أعمالنا سنجدها هناك. إن هذا البحث يعتبر من أركان عقائد الإسلام. الإيمان بالله و الإيمان بالنبوة و الإيمان بالمعاد تمثل أركان عقائد العالم و لم تختص بالتشيع. أذكر بعض النتائج العملية للإيمان بالقيامة في الاقتصاد و لم ترتب على أساس الأهم و المهم. أحدها هو ازدياد معدل دفع الضرائب. الإنسان المؤمن بالله يدفع الضرائب. و أقصد من الضرائب ما يشمل الضرائب المنصوصة الخمس و الضرائب غير المنصوصة كالضرائب في الحكومة الإسلامية. يعني إذا شاهدتم في الحكومة الإسلامية أن دفع الضرائب و الزكاة قليل، و إذا رأيتم الناس يحاولون الفرار من دفع الضرائب، فإن هذا يدل على أن الإيمان الديني لم يتسع و هذا يحكي عن أن المجتمع لم يتطور دينيا. هنا ننسجم مع مفاهيم التنمية الاقتصادية في الغرب. في بعض الأمور لا تنسجم المؤشرات مع الغرب، فعلى سبيل المثال ما ذكرناه من انخفاض معدل الادخار يختلف كثيرا عن المؤشر التنمية في الغرب. و لكن ننسجم معهم في ازدياد معدل دفع الضرائب. الآن إن الدول المتطورة تستلم أكبر عدد من الضرائب، و في النماذج المتطورة يجب أن تؤمن جميع مصاريف الدولة من الضرائب.

الدولة لا تباشر باستثمار الثروات، بل تفوضها للقطاع الخاص، النموذج التام لهذا الأمر هو أمريكا، حيث أعطت كل الثروات بيد القطاع الخاص. لو آمنا واقعا بيوم القيامة لازداد معدل دفع الضرائب. لأنه سيرى دفع الضرائب من تكاليفه، سواء أقيل له ادفع الخمس أو الزكاة، أم ادفع ضريبة أخرى، فإنه يدفعها. باعتقادي أن هذه الأمور مهمة جدا.

الظاهرة الأخرى مدى الوفاء بالعهود، لأننا إذا درسنا هذه الأمور في المجتمع الإسلامي، سوف نستطيع أن نقيم مدى التزامنا بالدين و إيماننا بيوم القيامة. الإنسان المؤمن بالله إذا تعهد بشيء سيلتزم به. الآن كم مقدار الوفاء بالعهود؟ العقود التي تجرى في المجتمع الإسلامي كم لها اعتبار حقيقي؟ لا أهمية للاعتبارات الشكية. أنت اضمن العقد بمئة ضمان، و لكن إذا كانت روح العمل بالعقد مفقودة، لا يعمل بالعقد. لقد جعل سماحة السيد القائد شعار إحدى السنين الماضية (أخلاقية العمل) قبل حوالي 8 أو 10 سنين و هذه الأخلاقية هي الوفاء بالعهود. الإنسان الذي يتوظف في مكان يتعهد بعهود. و ليس الأمر مجرد أن يداوم الإنسان شهرا ليستلم كذا مقدار. فإنهم يدفعون الأموال بإزاء عهود. إذا ازدادت ظاهرة الوفاء بالعهود في المجتمع الإسلامي، فهذا يدل على توسع الإيماني الديني. و يشعر الناس أن هذا تكليفهم. و يوفون بالعهود من باب العمل بالتكليف. مع الأسف نجد معدل بعض هذه المؤشرات في المجتمعات غير الدينية أكثر من المجتمعات الدينية. طبعا توجد هناك دوافع أخرى. مثلا نجد في المجتمعات غير الدينية أن معدل دفع الضرائب عال جدا. لماذا؟ لأنه لديهم هناك نظام الرقابة. قاموا بتعزيز روح دفع الضرائب و جعلوا الناس يشعرون أن من أهم واجباتهم الاجتماعية دفع الضرائب. لا أنسى عندما كنت في هولندا كنت أتحدث مع أحد الأخوة الشيعة الذي كان مقيما في هولندا منذ سنين. فذكر معنى غريب، قال: إذا قيل إن شخصا قتل عشرة أشخاص و حكم بالإعدام، سيشفق الناس عليه. يقولون لعله كان مجنونا في تلك اللحظة، لعله أصيب بالجنون و قتل عشرة أشخاص و كان خارجا عن حالته الطبيعية، و لكن إذا قيل أن شخصا لم يدفع ضرائبه و حكم بالإعدام، سيقول الجميع: يستحق ذلك. قال: عدم دفع الضرائب لدى الناس أكبر جريمة من ارتكاب القتل هنا. هكذا تربّى الناس. لماذا؟ لأنهم يقولون أنت الذي لا تدفع الضرائب في الواقع تسرق منا جميعا و تضيع حقنا جميعا. الإنسان القاتل قد قتل نفرا واحدا أو اثنين أو ثلاثة أشخاص و لم يكن في حالته الطبيعية. و لكنك تسرق من جيبنا بكامل العقل و الفهم و الشعور. هكذا ربّوهم. و هكذا العمل بالعهود. فإن ظاهرة العمل بالعهود أكثر هناك. لا لأنهم يخافون الله و النبي في تلك البلاد، كلا، بل قد لا يفهم هذه الأمور و لكنه يعلم بأنه إذا أخلف عهوده سيفقد اعتباره. و بالتالي لا يستطيع أن ينافس الآخرين في السوق و من جهة أخرى هناك ضمانات جزائية و حقوقية شديدة. يعني يعلم أنه سيلاحق و يقبض عليه فتجده يعمل بالعهود. و إلا فلو علم بوجود ضمان يضمن سوقه و لا أحد يلاحقه، فسوف يتملص مما تعهد. ينبغي للإنسان المسلم المتدين أن يوفي بعهوده لما يحظى من الإيمان بلا حاجة إلى الضغوط الخارجية و الدوافع المادية البحتة. و لننظر أن في مجتمعاتنا كم لدينا صفة الوفاء بالعهد.

النتيجة الأخرى التي تترتب على ارتقاء الإيمان بيوم القيامة في المجتمع بشكل طبيعي هي قلة المفاسد الاقتصادية. المفاسد الاقتصادية من قبيل الربا، الاحتكار، التلاعب بالأسعار، التطفيف، السرقة، الاختلاس و غيرها، و لكن نحن ننظر إليها كمؤشر، لا نريد أن نعطي درسا أخلاقیاً، نريد أن نقول إذا درستم أوضاع المجتمع لقلت المفاسد الاقتصادية.

الأمر الآخر هو ازدياد ظاهرة الاهتمام بمصالح المجتمع الإسلامي. لنرى أن مصلحة العموم كم هي مهمة لدى الناس. باعتقادي أحد آثار الإيمان بالقيامة هو أن تصبح المصالح الشخصية في الدرجة الثانية بعد المصالح العامة. و لكنا مع الأسف نشاهد في كثير من الأوقات ظاهرة تقديم المصالح الشخصية. بتعبير آية الله البهاء الديني (ره) الذي كان يقول: بعض الأشخاص إذا استطاع أن يربح ألف تومان أكثر، فإنه يفعل ذلك حتى و لو كان على حساب تدمير العالم برمته. لا يهتم أبدا بمقدار الضرر الذي يلحقه بالآخرين. يؤثر أقل مصالحه الشخصية على أعلى المصالح العامة. هذا يدل على أن هذا الإنسان لا يملك الإيمان الواقعي.

قد يصلي و قد يصوم و قد يدعي الخير كثيرا، و لكن عمله الاقتصادي ليس عملا إسلاميا، حيث إن العمل الإيماني يقتضي أن يهتم الإنسان بمصالح المجتمع الإسلامي.

والمؤشر الآخر هو ازدياد معدل التمويل في القطاع العام. يعني يجب أن تزداد دوافع التمويل في القطاع العام. أنا أعتقد أن في المجتمع الإسلامي يجب أن تتقلص مبادرات الدولة و تصدياتها إلى الحد الأدنى من ذلك. يجب أن يقتصر دور الدولة على حد الرقابة على من يريد أن يخرج عن طوره و يتعدى على حقوق الآخرين، و إلا فالناس متدينون و لا يحتاجون إلى من يعمل لهم. هم يذهبون إلى القطاع العام الذي يتطلب تمويلا ضخما مع ربح متأخر. يعني الإنسان المؤمن ـ لنستحضر الأبحاث السابقة ـ المتوكل الزاهد المُخاطر، انتفاعه الشخصي محدود، و لأنه مؤمن بالقيامة فيكثر من الاهتمام بالمصالح العامة. فينبغي لهؤلاء الناس أن يستثمروا أموالهم في الأمور العامة. ينبغي أن نرى هؤلاء في إنشاء الشوارع و بناء السدود، بغض النظر عن بعض التقييدات القانونية الحديثة. و لكن يجب أن يكون هناك إقبال عام على هذه الأعمال. و سبب قلة هذا الإقبال في كثير من الموارد بسبب قلة التوكل و الزهد و الإيمان، و إلا فكان المفترض أن يقدم المتمكنون و حتى غيرهم بالالتفاف مع البعض. إذ لابد من المشاركة. دعني أضرب مثلا؛ أحد المفاهيم الإسلامية هو الأخوة (إن المؤمنون إخوة) و هذه الأخوة ليست مجرد تعارف. إن هذه الإخوة عبارة عن مفهوم. فإن اعتقدنا حقيقة بهذا المفهوم، سيظهر على عملنا. من مظاهر الأخوة توسعة المشاركات الاقتصادية. يعني ينبغي أن نشاهد في المجتمع الإسلامي المزيد من الشركات الخصوصية. يعني أن تكثر ظاهرة تشكيل هذه المؤسسات. إذ عندما تعزز روح المشاركة و التعاون في المجتمع، يجتمع ذوو رؤوس الأموال القليلة مع البعض و يكونون رأس مال كبير ليدخل في الصناعات الأساسية. هذه مؤشرات في حد ذاتها. لا أريد أن أقول إذا كانت هذه المؤشرات نازلة إذن لا تنمية عندنا. هذه مجموعة. و يتحمل هذا الفهرس إضافات كثيرة و أنا ذكرت ثلاثة أمثلة فقط. و لا شك في إمكان تكثير هذا الفهرس و بعد ذلك لابد من ربط هذه العناصر معا.

مع هذه الأوصاف يا حبذا لو تفضلتم بالكلام حول البعد الكلي للتنمية الاقتصادية.

من آثار هذه المجموعة هي تنمية الاقتصاد العام. يعني أن يتطور اقتصادنا على المستوى العام. يعني سواء في المجالات العامة كإنشاء الطرق و بناء السدود التي ذكرناها الآن أم في مجال النشاطات الجزئية و الأمور الخاصة كما قلنا مع وجود التوكل تزداد المخاطرة. فإذا ازدادت روح المخاطرة، و إلى جانبها الزهد، لن يتعلق هذا الإنسان بأمواله. إذن ماذا يفعل بأمواله. يستثمر هذه الأموال. و هنا تنزل رؤوس الأموال المخاطرة إلى ساحة الاقتصاد. عند ذلك ينمو الاقتصاد. عندما يزداد معدل استثمار المال و ازدادت ظاهرة المخاطرة، سنحصل على التنمية. و من جانب آخر بالإضافة إلى التنمية الاقتصادية سيكون لنا الأمن الاقتصادي. يعني عندما و فيتم بالعهود و قلت المفاسد الاقتصادية، فقد حققتم النمو في مجال الأمن الاقتصادي. إن تنمية الأمن الاقتصادي يقع في مجال ملكية الأفراد و تحترم ملكيتهم. واحدة من مشاكلنا الرئيسة هي عدم الأمن في الملكية، لا يوجد أي احترام للملكية. مثلا أنت صاحب أرض، إذا استطاع صاحب الأرض المجاورة أن يتصرف بجزء من أرضك، يفعل ذلك إلا أن تقف أمامه، يعني موجودة هذه النزعة. و لكن إذا أصبح المجتمع إسلاميا، عندئذ جارك يقارب أكثر منك لئلا يعتدي على أرضك مليما، لأنه غصب و يعلم ماذا أعد الله له من عقاب و يعلم نتائجه السلبية. و ستتحقق هذه الملكية سواء في الملكية المادية التي ضرب مثالها أم الملكية المعنوية. أنتم تعلمون أن من أهم عناصر التنمية الاقتصادية هو الأمن في الملكية و لابد من إنجازه قطعا في مشروع التنمية الإسلامية. إذا أصبح الناس مؤمنين فمن أهم نتائجه هو الأمن في الملكية و الأمن في استثمار الأموال. إذا نجد الآن أن مستوى الأمن في الاستثمار هابط فأحد أسبابه هو عدم العمل بالعهود. لأنك تتفق مع صاحبك و لكنه لا يفي بعهوده. إذن ليس هناك أمان و أنت لا تعلم أن من خلال رأس المال الذي و ظفته في هذا المجال هل ستحصل على الربح المتوقع أم لا. إذا تحقق الأمن في الاستثمار تتوسع مجالات الاستثمار و مع لحاظ روح المخاطرة ينبغي أن تكون ظاهرة الاستثمار عالية في المجتمع الإسلامي حتى مع عدم وجود الأمن. و بالتأكيد إذا كان الإيمان بالله و تحقق عنصر الإيمان سيتضاعف الأمن.

كل أمر عقائدي له آثار أخلاقية. فإذا كثرتم الفهرس و أضفتم العناصر المتعددة التي نعرفها في المجالات الأخلاقية و العقائدية إلى هذا الفهرس و لاحظنا بعد ذلك العناصر الأخرى الفكرية و الأخلاقية إلى جنب ذلك سيتسع كثيرا. من آثار هذا البحث قلة الفقر. عندما تزداد ظاهرة الاستثمار في المجتمع، يؤدي الاشتغال و كثرة العمل إلى انتفاع العموم. و من جانب آخر ازدياد معدل المساعدات غير المعوضة يساهم في تقليل الفقر. طبعا لا يخفى أن في المجتمع الإسلامي باعتبار أن الناس متدينون و نسبة الإيمان عالية فتقل نسبة قبول المساعدات غير المعوضة. يعني يقل عدد أولئك الذين يرغبون أن لا يعملوا و يأخذوا المساعدات من الغير، إذ يحاول الكل أن يحصلوا على رأس مال ليستثمروها و يباشروا بالعمل بأنفسهم. يعني حتى المساعدات غير المعوضة في المجتمع الإسلامي تصبّ في ازدياد الاستثمار؛ لا في تكثير السائلين من الناس، لأن الناس ليسوا طلاب الانتفاع بغير العمل. يعني عندما أصبح المجموع متدينين سيتجهون نحو العمل. و لكن قد يفتقد شخص وسائل العمل و لا يقدر على العمل. لأن العمل في السوق يحتاج إلى وسائل و رأس مال. فالإنسان المتمكن يعطيه رأس مال، فيأخذها إلى السوق و يشتغل بها. ليس هدفه أن يذهب و يشحذ الناس. و بالتالي تصبح المساعدات غير المعوضة سببا لازدياد الاستثمار و الاشتغال. يعني سنشاهد في هذا الدوران ازدياد العمل و الاشتغال. و أما الآن إذا نواجه حالة البطالة فيجب أن نفتش عن العوامل التي أدت إلى قلة الاشتغال. أحد عوامل قلة الاشتغال في بلدنا هو قلة الاستثمار. و أحد أسباب قلة الاستثمار هو قلة التوكل. لأن صاحب رأس المال يخشى أن يوظف رأس ماله و يتفتت ماله. طبعا هناك عوامل مختلفة أدت إلى قلة الأمن، و التوكل مفقود. فيؤثر كل منهما بالآخر. يعني عندما يقوى سبب يقوّي السبب الآخر و هكذا يزداد قوة، و بعكس ذلك إذا ضعف؛ يعني إذا ضعف عامل التوكل تزداد أهمية الأمن. و بما أن التوكل قد ضعف، يضعف معه الأمن أيضا، إذ أن الإيمان قد ضعف في الواقع. و ضعف الإيمان ينتج ضعف التوكل و قلة الأمن. و عندما قل الأمن و ضعف التوكل تضعف ظاهرة الاستثمار. و عندما قل الاستثمار يزداد الأمن أزمة. فكل واحد يضعف الآخر و من جانب آخر يستطيع كل واحد أن يقوي الآخر.

باعتقادي أن السبب في عدم إثمار الأبحاث هو أننا نفتقد النظرة المنهجية في نشاطاتنا. لا نستطيع أن نرى تأثيرات الأسباب و تأثراتها. ننظر إلى سبب واحد، و نعالجه وحده. و هذا لا يمكن، إذ لا يمكن إصلاح هذا من دون ذاك. يجب أن نرى المجموعة كلها و نبرمج لإدارة المجموعة بحيث أن تكون في تزايد دائم. و بعد ما تقع في مجرى النمو نجد أن أجزائها يتأثرون من البعض و يتضاعفون. كالإيمان و العمل و العلم. فإن هذه العوامل الثلاث تؤثر في الإنسان بشكل مستمر. الإنسان الذي يزداد علمه، قد تهيأت الأرضية لازدياد إيمانه. و إذا ازداد إيمانه يزداد عمله. و هكذا عندما ازداد عمله. العلم يرفع من مستوى الإيمان و الإيمان يرفع من مستوى العمل. العمل يأتي بالعلم و كل يعين الآخر دائما. و قد يقع العكس أيضا. يعني عندما يقل العلم يقل الإيمان. و إذا قل الإيمان يضعف العمل. و ما إن ضعف عمله يفقد علمه. لأنه قد نسي الله بتعبير القرآن فأنساه الله. يعني حتى فقد علمه بنفسه الذي نقول في الفلسفة بأنه أظهر العلوم و لم يغب الإنسان عن نفسه أبدا.

على أي حال من آثاره هو قلة الفقر. و من آثاره الأخرى التي يمكن أن تكون نتيجته هو ازدياد العدالة الاقتصادية و التنمية العدالة الاقتصادية. و سوف تشاهدون أن الناس يقللون من الادخار و يكثرون من الاستثمار. يتجهون نحو الاستثمارات ذات المخاطرة و قليلة الربح. يساعدون الآخرين كثيرا. و بعدما ساعدوا الآخرين يكرروا مخاطرتهم في الاستثمار، عند ذلك تقل المسافة بين الفقر و الغنى و تشيع المنفعة العامة. فمن جانب يقل الفقر، و من جانب آخر تقل حالة الطبقية الاقتصادية. و هذان عاملان مذكوران في بحث العدالة الاقتصادية. الأول هو تقليل الفقر و الآخر تقليل المسافة بين طبقات الأغنياء و الفقراء، لأنه من الطبيعي أن يكون اختلاف في المجتمع، بسبب الفرق في المواهب و الطاقات. و قد أقر به الإسلام و هو العامل المحرك في المجتمع. فوجود الأشخاص المتمكنين يمكن أن يكون سببا لازدياد مكنتهم و لكن الإسلام أعد آليات ليتقاسم المتمكنون بين الآخرين في إمكاناتهم. فيجب أن يمكنوا الضعفاء ليدخل الضعفاء في الحركة الاقتصادية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن: مجلة همشهري، العدد الخاص بالنموذج الإسلامي الإيراني للتطور، ارديبهشت 1389، 43ـ37.